الشيخ محمد الصادقي الطهراني
396
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الحاذق . ثم « الذين يلونكم من الكفار » إن كانوا أقوياء ، كان تعرُّضهم لدار الإسلام أكثر وتبرزهم أخطر من البعيدين ، فهم أولى بالدفع ممن سواهم ، وإن كانوا ضعفاء كان إستيلاءهم عليهم أسهل ، وإبقاءهم على حالهم إشتغالًا بالبعيدين يخلق لهم مجالًا للإستعداد ، وعلى أية حال ف « لقد كان لكم في رسول اللَّه أسوة حسنة لمن كان يرجوا اللَّه واليوم الآخر وذكر اللَّه كثيراً » « 1 » فقد إبتدأ في كلا الغزو والدعوة بالأقربين ، مراعياً سياسة الخطوة الخطوة حتى ملك الجزيرة بكاملها ، ثم إلى غير الجزيرة من الروم وما أشبه ، سنة سارت عليها الفتوحات الإسلامية . تواجه من يلون دار الإسلام مرحلياً ، فلما أسلمت الجزيرة أو كادت ، ولم تبق إلا فلول منعزلة لا تؤلف طاقة خطرة بعد فتح مكة ، كانت غزوة تبوك على أكناف الروم ، ثم انساحت الجيوش الإسلامية إلى الروم وفارس إلى أن وحِّدت الرقعة الإسلامية وتواصلت حدودها ببعضها البعض ، فإذا هي كتلة ضخمة شاسعة الأرجاء ، واسعة الأنحاء ، متماسكة الأطراف ، ثم لم تمزقها إلَّا الحدود المختلفة المختَلقة المتخلِّفة بين ديار الإسلام فأصبحت دويلات فشكلت ويلات على المسلمين أجمع . ذلك ، وترى « وليجدوا فيكم غلظة » تعني الخشونة والفظاظة التي تنافي في صالح الدعوة ؟ إنها غلظة رهيبة في القوات المسلحة وسائر الإستعدادات أمام المحاربين دون سائر الكفار فضلًا عن المؤمنين ، فقد تعني « غلظة » منكرةً ، الغلظة التي لا بد منها أمام المعاندين ، فلا تنافى اللينة في الدعوة والرحمة في الدعاية ف « لا تجادلوا أهل الكتاب إلّا بالتي هي أحسن الّا الذين ظلموا منهم » « 2 » فحين لا تؤثر الرحمة إلّا زحمة فهنالك الغلظة أمام غلظة ، حيث الرحمة أمام الظالم المعاند العامد ، إنها زحمة وقسوة على المظلوم ، فهي - إذاً - غلظة أمام غلظة ، بلا هوادة ولا تميُّع ولا تراجع ، إنها قوة وصلابة ومهابة « حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله للَّه » .
--> ( 1 ) . 33 : 21 ( 2 ) . 29 : 46